بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الأعمدة (الأسطوانات)



الأعمدة
الأعمدة_ وتسمى أيضاً: الأساطين والسواري _ ويقصد بها: القوائم التي يرتكز عليها السقف.
كانت أعمدة المسجد النبوي الشريف في زمن النبي صلى الله عليه وسلم (35) عموداً من جذوع النخل.
جددها أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خلافته حين نخرت.
وزادها عمر الفاروق رضي الله عنه فبلغت (44) عموداً.
وبناها ذو النورين عثمان رضي الله عنه بالحجارة المنحوتة، ووضع بها قطعاً من الحديد مغطاة بالرصاص المصهور لتثبت الحجارة مع بعضها، مع المحافظة على أماكن الأعمدة الخشبية التي كانت زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وزاد فيها رضي الله عنه فبلغت (55) عموداً.

وفي توسعة الوليد بن عبدالملك (88-91هـ) عملت الأعمدة على غرار ماقبلها من الحجارة المنحوتة، وربطت مع بعضها بالحديد المغطى بالرصاص المصهور، وجعل لها قواعد مربعة وتيجان مذهبة، كسيت الأعمدة الجنوبية بطبقة من البياض تصقل وتلمع فتظهر كأنها رخام أبيض، بينما كسي الباقي بالرخام،و بلغ عددها (232) عموداً.

وفي توسعة المهدي العباسي (161-165هـ) وصل عدد الأعمدة إلى مايقرب من (290) عموداً.
وزادها السلطان المملوكي قايتباي في توسعته (886-888هـ) فبلغت (305) عموداً.
وفي توسعة السلطان العثماني عبدالمجيد (1265-1277هـ) عملت الأعمدة من الحجر الأحمر بعضها من قطعة واحدة، وغطيت بطبقة من الرخام المزخرف المزين بماء الذهب، عليها عقود تحمل أعلاها قباباً،بلغ مجموع الأعمدة في هذه التوسعة (327) عموداً.

وفي توسعة الملك عبدالعزيز (1370-1375هـ) أزيلت الأجزاء الشمالية من المسجد، وحوفظ على الجزء الجنوبي منه الذي يحتوي على (173) عموداً، حيث أجريت عليها بعض الإصلاحات، فدعمت أعمدة الروضة الشريفة، وكسيت بالرخام الأبيض الجديد، وحسنت الأعمدة الأخرى بعمل أطواق نحاسية حولها على ارتفاع (2.50)م، وأضيف إليها (474) عموداً متصلة بجدران التوسعة، و(232) عموداً مستديراً، ارتفاع الواحد منها حتى بداية نقطة القوس (5.60) م وعمق أساسه (7.35) م تحمل تيجاناً من البرونز، زخرفت بزخارف نباتية جميلة، وكسيت بالبياض، وغطيت قواعدها بالرخام.
وفي التوسعة الأخيرة توسعة خادم الحرمين الشريفين (1406-1412هـ) صممت الأعمدة والتيجان بشكل متناسب ومتناسق مع نظيرها في التوسعة السعودية الأولى، وكسيت بالرخام الأبيض المستدير، تعلوها تيجان من البرونز، في داخلها مكبرات الصوت، وفي قواعدها فتحات مغطاة بشبك نحاسي يخرج منها الهواء البارد القادم من محطة التبريد المركزية.
تتوزع الأعمدة في هذه التوسعة على النحو التالي:
(2554) عموداً في القبو_ الدور تحت الأرض _ ارتفاع الواحد منها (4.40) م، وقطره (72) سم، مكسوة بالسيراميك على ارتفاع (2.35)، ودهن الباقي بدهان بلاستيكي.
(2104) عموداً في الدور الرئيس _الأرضي _، قطر الواحد منها (64) سم، وارتفاعه إلى بداية قطر القوس (5.60)م، تتباعد الأعمدة عن بعضها مسافة (6)م إلا في المناطق التي تعلوها القباب فتبلغ المسافة بين كل عمودين (18)م.
وقد طليت الأعمدة في البناء العثماني بلون فاتح قريب من الأبيض.

ومع هذه الزيادات المتلاحقة في المسجد الشريف ظلت الأساطين المبنية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم محافظة على أماكنها، حيث تحرى ذلك كل من زاد أو رمم في المسجد الشريف على مر التاريخ، خاصة الأعمدة المشهورة الواقعة في الروضة الشريفة، والتي ارتبط اسمها بمآثر مدونة في كتب الحديث والتاريخ، وهي:

- أسطوانة السيدة عائشة: وتقع في وسط الروضة الشريفة، وقد اتخذ النبي (صلى الله عليه وسلم) مكانها مصلى بعد تحويل القبلة مدة، ثم تحول إلى مصلاه، وكان أفاضل الصحابة والتابعين يفضلون الجلوس عندها.
وسبب تسميتها بأسطوانة عائشة (رضي الله عنها) أن بعضًا من الصحابة (رضي الله عنهم) كانوا جلوسًا عند عائشة (رضي الله عنها)، ومعهم ابن أختها التابعي الفقيه (عروة بن الزبير)، فقالت عائشة (رضي الله عنها): "إن في المسجد أسطوانة لو عرفها الناس لاستهموا على الصلاة عندها بالأسهم"، فسألوها عنها فأبت أن تعينها لهم ثم بعد قيامهم أسرَّت ابن الزبير بشيء، ثم قام واتجه إلى هذه الأسطوانة وصلى عندها.
وكان بعض أولئك الصحابة يرقب ماذا سيفعل، فلما صلى عندها جاءوا وصلوا في مكانه؛ فسُميت هذه الأسطوانة بعد ذلك (أسطوانة عائشة) كما هو مكتوب الآن في أعلاها، كما سميت أيضًا بأسطوانة القرعة لرواية (لاقترعوا عليها بالسهام). وروى بعض التابعين عن زيد بن أسلم أنه رأى موضع جبهة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عند هذه الأسطوانة، وأنه رأى بعد ذلك موضع جبهة أبي بكر الصديق دونها، ثم رأى موضع جبهة عمر دون موضع جبهة أبي بكر رضي الله عنه عن الجميع، وهو ما يؤكد أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يعرفان فضل الصلاة عند هذه الأسطوانة.
2 - أسطوانة الوفود: وهي ملاصقة لشباك الحجرة الشريفة، وهي الأسطوانة التي كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يجلس عندها لوفود العرب القادمة عليه لكي تبايعه على الإسلام، وهي التي وقع عندها نداء بني تميم من وراء الحجرات، حيث نادوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقالوا: "يا محمد اخرج لنا نفاخرك"؛ فأنزل اللَّه تعالى في شأنهم قوله: "إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ" (الحجرات: 4-5).
وعند هذه الأسطوانة أيضًا قدم على النبي (صلى الله عليه وسلم) ضمام بن ثعلبة وافدًا عن بني سعد بن بكر، فلما أقبل ووقف على الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ولم يكن يعرف الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أنا ابن عبد المطلب، فقال له ضمام: محمد يا بن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدنَّ في نفسك، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا أجد في نفسي، قل عما بدا لك". فقال ضمام: أنشُدك الله إلهك، وإله مَن كان قبلك، وإله مَن هو كائن بعدك؛ آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، قال ضمام: فأنشدك الله إلهك، وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك؛ آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ فقال (صلى الله عليه وسلم): اللهم نعم، ثم جعل ضمام يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة وبالأسلوب نفسه، ثم قال في النهاية: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف إلى بعيره راجعًا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة"، وكم عند هذه الأسطوانة حصلت مناسبات! وكم جرى من حوار بين النبي (صلى الله عليه وسلم) ووفود العرب؛ كالذي وقع بينه وبين وفد نجران وغيره.
3 - أسطوانة التوبة: وتسمى أيضًا أسطوانة أبي لبابة، وموقعها الرابعة شرق المنبر، وهي الأسطوانة التي ربط فيها الصحابي الجليل "أبو لبابة" الأنصاري (رضي الله عنه) نفسه، وظل فيها أسيرًا، وقال: "والله لا أفك هذا الأسر عن نفسي حتى يتوب الله عليَّ، ويحلني رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده".
وقصة أبي لبابة هذه سببها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما حاصر اليهود بني قريظة بعد غدرهم بعهده وانضمامهم إلى معسكر الأحزاب، وطال عليهم الحصار، وامتلأت قلوبهم من الرعب، وضاقت الأرض بهم، وجهلوا النكاية التي سوف تحل بهم طلبوا من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبعث إليهم أبا لبابة (رضي الله عنه)؛ لأنه كان حليفًا لهم قبل الإسلام لكي يتفاوض معهم، فلما جاء إليهم أرسلوا الصبيان في وجهه يجأرون وصاحت نساؤهم مستعطفة لرحمته، ثم حاولوا استغلال عاطفته فقالوا له: ماذا ترى؟ أننزل على حكم محمد؟ فقال لهم: إن نزلتم على حكم محمد (وأشار بيده إلى حلقه) يعني سوف يذبحكم. فقال أبو لبابة: "فوالله ما تحركت قدماي حتى علمت أني خُنْت الله ورسوله"، فلم يعد إلى الرسول (صلى الله عليه وسلم)، بل ذهب مسرعًا إلى المسجد النبوي وربط نفسه في هذه الأسطوانة.
4 - الأسطوانة المُخَلَّقة (أي المطيبة بطيب الخلوق): وهي الأسطوانة الملاصقة لمصلى النبي (صلى الله عليه وسلم) من جهة القبلة، وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يصلي إليها بعد تحوله عن أسطوانة عائشة (رضي الله عنها)، ولكن هذه الأسطوانة اليوم متقدمة عن محلها الأصلي؛ إذ محلها الأصلي عن يمين الإمام إذا وقف في المصلى الشريف.
عن يزيد بن عبيد: "كنت آتي مع سلمة بن الأكوع (رضي الله عنه) فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف –أي المخلقة- فقلت: يا أبا سلمة أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة، فقال: فإني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يتحرى الصلاة عندها" رواه البخاري.
وهذه الأسطوانة اليوم يرتكز عليها المحراب النبوي الشريف، ومكتوب في أعلاها: "الأسطوانة المخلقة"، وسبب تسميتها بذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) رأى عليها نخامة فساءه ذلك؛ فقام أحد الصحابة وحك النخامة وطيب مكانها بطيب يسمى الخلوق؛ فسُرَّ النبي (صلى الله عليه وسلم) لذلك.
5 - أسطوانة السرير: وهي الأسطوانة التي تقع في مكان اعتكاف النبي (صلى الله عليه وسلم)، وكان يوضع له عندها سرير، وكان هذا السرير من جريد النخل وفيه السعف. وتقع هذه الأسطوانة شرقي أسطوانة التوبة، وهي اليوم ملاصقة لشباك الحجرة الشريفة.
6 - أسطوانة المحرس أو الحرس: وتقع خلف أسطوانة التوبة من الشمال. سميت بذلك لأن بعض الصحابة كان يجلس عندها لحراسة النبي (صلى الله عليه وسلم). وكانت تسمى أيضًا أسطوانة علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)؛ لأنه كان يجلس عندها حارسًا للنبي (صلى الله عليه وسلم)، فلما نزل عليه قوله تعالى: "وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ" (المائدة: 67) ترك الحراس حينئذ.
7 - أسطوانة مربعة القبر، سميت بذلك لوقوعها في ركن المربعة الغربية الشمالية من الحجرة الشريفة، وتقع هذه الأسطوانة داخل الحجرة الشريفة، وبالتالي لا يصلى عندها.
8 - أسطوانة التهجد: وهي التي في مكان تهجده (صلى الله عليه وسلم) من الليل، وتقع أيضًا داخل الحجرة النبوية الشريفة.





اسطوانة السيده عائشه