منتديات جناب الهضب

جدارة ، موقع نور ، برنامج نور ، جداره ، النتائج ،حافز ، قياس ،نتائج الطلاب ، نتائج الطالبات ، نتائج القدرات ، اسماء المرشحات ، دفعات جدارة ، أخر أخبار جدارة،نتائج القدرات ، نتائج التحصيلي ، جناب الهضب التعليمي ، موهبة ،كفايات

اعلانات قوقل متجاوبة2

صحيفة حزم

صحيفة حزم المالك ورئيس التحرير مرعي بن علي القحطاني http://www.alhzim.com/index.php

    لا تكن صلبا فتكسر ولا تكن لينا فتعصر ،

    شاطر

    لا تكن صلبا فتكسر ولا تكن لينا فتعصر ،

    مُساهمة من طرف فريق العمل بجناب الهضب في الثلاثاء 2 أبريل 2013 - 20:56

    لا تكن صلبا فتكسر ولا تكن لينا فتعصر
    لا تكن صلباً فتكسر

    قديما قال الحكماء : لا تكن صلبا فتكسر ولا تكن لينا فتعصر والعاقل هو من يوازن في أفكاره وتصرفاته في جميع أمور حياته , وبخاصة في تعاملاته مع جميع الناس ,وليس ذلك لونا من ألوان النفاق والرياء , فهناك فارق كبير بين المرونة في معاملة الناس وبين نفاقهم ومداهنتهم ومدحهم بالكذب ,فالمرونة تعني تقبل آراء الآخرين، وأن لا يقتصر الإنسان على جانب واحد من الحق، وأن لا يفرض رأيه على الآخرين.
    وتعني الاستجابة الانفعالية والعقلية التي تمكن الإنسان من التكيف الإيجابي مع مواقف الحياة المختلفة سواء كان هذا التكيف بالتوسط أو القابلية للتغير أو الأخذ بأيسر الحلول.
    وقال المناوي هي: (المداراة: الملاينة و الملاطفة).التوقيف على مهمات التعاريف (ص645).
    والمداراة معناها التلطف بالمدعو،وإظهار البشاشة له ومراعاته دون إخفاء، أو تحسين لباطل، أو تغير لحقيقة.العليمي، المداراة التربوية (ص14).
    ولقد أفرد البخاري في صحيحه باباً بعنوان (المداراة مع الناس) و أورد فيه حديثاً عن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْكَلَامَ قَالَ أَيْ عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ). أخرجه أحمد 6/38 والبُخَارِي 8/15 ومسلم 8/21 .
    وقال ابن منظور:(المُداهَنة والإدهان: المصانَعة واللين، وقيل: المداهنة إظهار خلاف ما يضمر).لسان العرب (ج13، ص162).وقال الجوهري :(والمُدَاهنةُ كالمصانعة.والإدهَانُ مثله، فال الله تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ وقال قوم: داهنت بمعنى واريت، وأدهَنتُ بمعنى غششتُ).الصحاح (ج5، ص2116).
    وقال الجرجاني:(المداهنة هي أن ترى منكرا وتقدر على دفعه ولم تدفعه حفظاً لجانب مرتكبه أو جانب غيره أو لقلة مبالاةٍ في الدين).التعريفات (ص90).
    من خلال مفهوم المداهنة يمكن القول: إن المرونة والمداراة التي هي صورة من صور المرونة شيء والمداهنة شيء آخر، فالمرونة والمداراة جائزة بخلاف المداهنة فإنها محرمة شرعاً.
    ويوضح القرطبي محل الفرق بقوله (والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة:بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدّين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة:هي بذل الدّين لصالح الدنيا).المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (ج6، 573).
    ويعدد القرضاوي، مجالات هذا الثبات في الشريعة بقوله: (نجد الثبات يتمثل في العقائد الأساسية الخمس، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر... وفي الأركان العملية الخمسة من الشهادتين، وإقامة الصلاة،وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وهي التي صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإسلام بني عليها.
    وفى المحرمات اليقينية من السحر، وقتل النفس، والزنى، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، و التولي يوم الزحف، والغصب،والسرقة والغيبة والنميمة،وغيرها مما يثبت بقطعي القرآن والسنة.
    وفي أمهات الفضائل من الصدق، والأمانة، والعفة، والصبر، والوفاء بالعهد، والحياء وغيرها من مكارم الأخلاق التي اعتبرها القرآن والسنة من شعب الإيمان.
    وفي شرائع الإسلام القطعية في شئؤون الزواج،والطلاق، والميراث والحدود، والقصاص، ونحوها من نظم الإسلام التي ثبتت بنصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة فهذه الأمور ثابتة، تزول الجبال ولا تزول).الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم (ص178).
    روى البخاري - في صحيحه- عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّتْهُمْ الْمَرْأَةُ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا ضَلَّ مَنْ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ الضَّعِيفُ فِيهِمْ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَقَتْ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا). أخرجه ابن ماجة (2548) .
    فالمرونة خاصية ثابتة من خصائص الشريعة، ولكنها تعمل في المتغيرات الوسائل، والأساليب، والفروع،والجزئيات فهي تتخذ من الثوابت قاعدة ومرتكزات فالمرونة حصيلة حركة في إطار ثابت، فهي ليست حركة مطلقة، وليست ثباتاً مطلقاً. وبذلك تكون المرونة هي الحد الفاصل بين الثبات المطلق الذي يصل إلى درجة الجمود، والحركة المطلقة التي تخرج بالشيء عن حدوده وضوابطه، أي أن المرونة حركة لا تسلب التماسك، وثبات لا يمنع الحركة. هذا وقد تضمن القرآن الكريم الكثير من الشواهد التي تؤكد على خاصية المرونة وأهميتها.
    ومن الأدلة على المرونة من القرآن الكريم ,قال تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.سورة آل عمران، 159.وقال تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.سورة الشورى،38.
    وقوله تعالى : يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.سورة البقرة،185.
    وتتمثل المرونة هنا في اليسر وعدم الحرج، (وقد بلغ اليسر في الشريعة إلى درجة التخفيف من الواجبات عند وجود الحرج، والسماح بتناول القدر الضروري من المحرمات عند الحاجة).الأشقر، خصائص الشريعة الإسلامية (ص63).
    ومثال ذلك إن الشريعة حرمت أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر،قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً سورة المائدة،3.ثم إباحة ذلك عند الضرورة بقدر الحاجة من باب اليسر ورفع الحجر وهذا من المرونة قال تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ.سورة المائدة،3.
    وقال تعالى: فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى سورة طه،44.. وقال تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً ميسورا . سورة الإسراء،28.
    ولقد ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في المرونة وفي حسن التعامل مع الناس , وتتمثل مرونته في تقديره لكل وجهة نظر يبديها ذو رأي من أصحابه،فتجده يأخذ برأي الحُباب بن المنذر بن الجموح في يوم بدر،في مكان نزول الجيش و يأخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق يروي ابن هشام قصة الحُباب ابن المنذر يوم بدر بقوله: (فَحُدثتُ عن رجال من بنى سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي و الحربُ والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدةُ قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزلٍ فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءً من القوم فننزله ثم نعورُ ما وراءه من القلب، ثم فَنبني عليه حوضاً ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون؛ فقام رسول الله ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماءٍ القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فَعوّرَتٌ وَبَنَى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فمليء ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية).سيرة النبي صلى الله عليه وسلم (ج2، ص259-260).
    وتتمثل مرونته أيضا في عدم الإصرار على الجزئيات، والتي قد يكون بالإصرار عليها ضياع ما هو أهم منها، وما ذلك إلا لسعة أفقه وبعد نظره ومن ذلك على سبيل المثال ما وقع في صلح الحديبية، يروي ابن هشام قال: (دعا رسول الله علياً ابن أبي طالب رضوان الله عليه،فقال: أُكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أُكتب باسمك اللهم، فقال رسول الله أُكتب باسمك اللهم، فكتبها، ثم قال: اكتب هذا ما صلح عليه محمدُ رسول الله سهيل بن عمرو،قال: فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أُقاتلك ؛ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، قال: فقال رسول الله : اكتب هذا ما صلح عليه محمدُ بن عبد الله سهيل ابن عمرو).
    أورد البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَا عَائِشَةُ لَوْلَا سهيل بن عمرو ألا يكتب علي بن أبي طالب بسم الله الرحمن الرحيم وأن يكتب قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُونَ) قال ابن حجر موضحاً هذا المعنى: ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه وعلق النووي على هذا الحديث بقوله: (وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم ؛ لأن النبي أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريباً، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغيرها عظيماً، فتركها ) شرح صحيح مسلم (ج1، ص128).
    ومن مرونته صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا).
    وذكر بن حنبل في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ أَوْ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ سِوَاكٌ وَلَأَخَّرْتُ عِشَاءَ الْآخِرَةِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) .
    فهذا النبي يتحلى بخلق اليسر، فما سُئل يوم منى عن تقديم أو تأخير بين الحلق والرمي والذبح، إلا قال افعل ولا حرج فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ فَقَالَ: (اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ) ثُمَّ جَاءَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ: (ارْمِ وَلَا حَرَجَ) قَالَ فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ. مسلم (ج2/1306).
    وتتمثل مرونته أيضاً في تقبله للناس على ما هم عليه من خطأ، ومعاملتهم على أنهم بشر يصيبون ويخطئون، وتتمثل مرونته أيضا في رفقه بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إليه.
    روى مسلم في صحيحه عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: (بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقُلْتُ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْتُ و َاثُكْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ).
    وعلق النووي على هذا الحديث بقوله: (فيه بيان ما كان عليه رسول الله من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به، ورفقه بالجاهل، ورأفته بأمته،وشفقته عليهم. وفيه التخلق بخلقه في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به،وتقريب الصواب إلى فهمه).شرح صحيح مسلم (ج5، ص28-29).
    وهذا النبي ترك الأعرابي يبول في المسجد حتى فرغ من بوله.
    فقد روى مسلم في صحيحه عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أنه قَالَ: (بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَمَرَ رَجُلًا مِنْ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْه). فكان لهذه المرونة المتمثلة في اليسر والين في تعامله مع الأعرابي كبير الأثر في نفسه، حتى قال الأعرابي: (اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِكَ إِيَّانَا أَحَدًا فَقَالَ لَقَدْ حَظَرْتَ وَاسِعًا وَيْحَكَ أَوْ وَيْلَكَ...) سنن ابن ماجة (ج1/530).
    ومن مرونته مراعاته لأحوال السائلين، فكان يعطي كل واحد حاجته ويرشده إلى ما يناسبه ومن ذلك ما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ لَا فَجَاءَ شَيْخٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ قَالَ نَعَمْ فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمْتُ نَظَرَ بَعْضِكُمْ إِلَى بَعْضٍ إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ).مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج2/6739).ويعلق أبو غدة على هذا الحديث بقوله: (أي فلا يخشى عليه إفساد الصوم بالوقوع في الجماع، بخلاف الشاب فقد يجره التقبيل إلى الجماعِ أو الإنزال فيفسدُ عليه صومه. فاختَلَفَ الجواب لاختلاف حال السائلين)
    وإذا انتقلنا إلى الصحابة رضي الله عنهم فهم الرعيل الأول الذين تربوا في كنف النبوة وتشربوا الكثير من الأخلاق والصفات النبوية، ومن هذه الصفات التي كانت واضحة في سيرتهم وهديهم خاصية المرونة، ومن أمثلة ذلك:
    هذا أبو بكر في خطبته يسمح للناس بتقويمه متى علموا اعوجاجاً منه.
    أورد الطبري عن أبي بكر أنه قال: (يا أيها الناس، إنما أنا مثلكم، إني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله يطيق، إن الله اصطفى محمداً على العالمين وعصمه من الآفات، و إنما أنا متبع ولست مبتدع، فإن استقمت فاتبعوني، وإن زغت فقوموني...) تاريخ الأمم والملوك (ج2،ص 244-245).
    وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما روى ابن كثير في تفسيره عن مسروق أنه قال: (ركب عمر بن الخطاب المنبر ثم قال: أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء وقد كان رسول الله وأصحابه و الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو مكرمة لم تسبقوهم إليها فلأُعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم،ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت:يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال:وأي ذلك؟ فقالت أما سمعت الله يقولوآتيتم إحداهن قنطارا;الآية، فال: فقال اللهم غفراً،كل الناس أفقه من عمر،ثم رجع فركب المنبر فقال يا أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب). وتتمثل مرونة عمر في هذا الموقف في قبوله النصح من امرأة هي من عامة الناس، ورجوعه للحق في ذات الموقف دون تردد، وهو يقول: كل الناس أفقه من عمر.
    ثالثاً / عثمان بن عفان ومراعاة فهم الأعراب:
    وهذا عثمان بن عفان يُروى عنه أنه صلى في منى أربع ركعات ذكر أبو داود عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: (صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا) سنن أبو داود (ج2،1960). وقد ذكر أهل العلم أن عثمان فعل ذلك حتى لا يظن الأعراب الصلاة ركعتين. فقد روى أبو داود عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى مِنْ أَجْلِ الْأَعْرَابِ لِأَنَّهُمْ كَثُرُوا عَامَئِذٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ أَرْبَعًا لِيُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعٌ.
    وهذا ابن عباس يوصي تلميذه عكرمة أن يراعي نشاط الناس عند التحدث لهم. يروي البخاري عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (حَدِّثْ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مِرَارٍ وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ وَلَكِنْ أَنْصِتْ فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ فَانْظُرْ السَّجْعَ مِنْ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ يَعْنِي لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا ذَلِكَ الِاجْتِنَابَ) صحيح البخاري (ج5،5978). وعلق ابن حجر على هذه الوصية بقوله: (وفيه كراهة التحديث عند من لا يقبل عليه ؛ والنهي عن قطع حديث غيره، وأنه لا ينبغي نشر العلم عند من لا يحرص عليه ويحدث من يشتهي بسماعه لأنه أجدر أن ينتفع به) فتح الباري، (ج11،ص143). وهذه المرونة كانت منهجاً واضحاً في غير واحد من السلف فهذا عبد الله بن مسعود يقول: (إِنَّ لِلْقُلُوبِ نَشَاطًا وَإِقْبَالًا وَإِنَّ لَهَا تَوْلِيَةً وَإِدْبَارًا فَحَدِّثُوا النَّاسَ مَا أَقْبَلُوا عَلَيْكُمْ) سنن الدارمى (ج1،454).وعلى ذات المنهج يسير التابعي الحسن البصري في تأكيد مراعاة نشاط الناس وإقبالهم على السماع فعن أَبُي هِلَالٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُول:كَانَ يُقَالُ حَدِّثْ الْقَوْمَ مَا أَقْبَلُوا عَلَيْكَ بِوُجُوهِهِمْ فَإِذَا الْتَفَتُوا فَاعْلَمْ أَنَّ لَهُمْ حَاجَاتٍ. وخلاصة القول أن السلف رضي الله عنهم كانوا شديدي الحرص على مراعاة نشاط الناس وإقبالهم عند التحدث لهم.
    وهذا عمر بن عبد العزيز تتمثل مرونته في مراعاته لأحوال الأمة وحرصه على المرونة في التدرج في الإصلاح.
    قال الشاطبي (وفيما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن ابنه عبد الملك قال له: مالك لا تنفذ الأمور ؟ فو الله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق قال له عمر: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمتها الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدفعوه جملة، ويكون من ذا فتنة).الموفقات في أصول الشريعة (ج2، ص93-94).
    فهو يخشى أن يحمل الناس على الحق دفعة واحدة، فتقع الفتنة بسبب ذلك.
    وفي مشهد أخر يحكي ابن الجوزي: أن (عبد الملك دخل على أبيه عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين،إن لي إليك حاجة فأخلني،وعنده مسلمة بن عبد الملك. فقال أسر دون عمك ؟ قال: نعم. فقام مسلمة وخرج وجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غداً إذا سألك فقال: رأيتَ بدعةً لم تمتها أو سنة فلم تحيها، فقال له: يابنى أشيء حملك الرغبة إلي أم رأي رأيته من قِبل نفسك؟ قال: لا والله، ولكن رأي رأيته من قِبل نفسي، عرفت أنك مسئول، فما أنت قائل؟ فقال له أبوه... يا بنى إن قومك قد سدّوا هذا الأمر عُقدةً عقدة و عروةً عروة ومتى ما أريد مكابرتهم علي انتزع ما في أيديهم لم آمَن أن يفتقوا على فتقاً تكثر فيه الدماء، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يُهراق في سببي محجمَة من دم، أو مَا ترضى أن يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحي فيه سنة؟حتى يحكم الله بيننا).صفة الصفوة (ج2، ص128-129). إنها المرونة في مراعاة التدرج في منهج التغيير والإصلاح.
    وتتجلى عند ابن تيمية رحمه الله في هذا الموقف المرونة الذهنية في اختياره أخف الضررين، ودفعه شر الشرين روى ابن القيم عن ابن تيمية أنه قال: (مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، و قلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية و أخذ الأموال فدعهم).أعلام الموقعين عن رب العالمين (ج3،ص5).
    فالعاقل من يكون معتدلا ومتوازنا في مشاعره وتصرفاته , فلا يسرف في الحب , ولا يسرف في البغض , فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أُرَاهُ رَفَعَهُ ، قَالَ:أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا ، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا.أخرجه الترمذي (1997) ( صحيح ) انظر حديث رقم : 178 في صحيح الجامع .
    قال الشاعر :
    إن الكريم إذا تمكن من أذى ‍
    وترى اللئيم إذا تمكن من أذى ‍
    جاءته أخلاق الكرام فأقلعا
    يطغى فلا يبقى لصلح موضعا

    وقال آخر :
    ازرعْ جميلاً ولو في غيرِ موضعِه ‍
    إِن الجميلَ وإِن طال الزمانُ به ‍
    فلا يضيعُ جميلٌ أينما زُرعا
    فليس يحصدُه إِلا الذي زَرعا

    فالمرونة دليل على اتساع الأفق وعلى الصحة النفسية الجيدة،وعلى الاتصال الفعال مع الناس , وعلى ذكاء صاحبيها النفسي والاجتماعي.

    رد: لا تكن صلبا فتكسر ولا تكن لينا فتعصر ،

    مُساهمة من طرف فريق الجودة بجناب الهضب في الأربعاء 3 أبريل 2013 - 1:07

    2013

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس 8 ديسمبر 2016 - 19:16