منتديات جناب الهضب

جدارة ، موقع نور ، برنامج نور ، جداره ، النتائج ،حافز ، قياس ،نتائج الطلاب ، نتائج الطالبات ، نتائج القدرات ، اسماء المرشحات ، دفعات جدارة ، أخر أخبار جدارة،نتائج القدرات ، نتائج التحصيلي ، جناب الهضب التعليمي ، موهبة ،كفايات

اعلانات قوقل متجاوبة2

صحيفة حزم

صحيفة حزم المالك ورئيس التحرير مرعي بن علي القحطاني http://www.alhzim.com/index.php

    عقوبة الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه ، يُؤتى بالرجل يوم القيامة، فيُلقَى في النار ........فيقولون: يا فلان ما لك؟! ألم تكن تأمر بالمعروف؟ وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه».

    شاطر

    عقوبة الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه ، يُؤتى بالرجل يوم القيامة، فيُلقَى في النار ........فيقولون: يا فلان ما لك؟! ألم تكن تأمر بالمعروف؟ وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه».

    مُساهمة من طرف فريق العمل بجناب الهضب في الجمعة 8 نوفمبر 2013 - 2:54

    عقوبة الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه



    عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه-:

    قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه؟ فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟! واللهِ لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتتح أمرًا لا أحب أن أكون أول مَن فتحه.

    ولا أقول لأحد، يكون علي أميرا: "إنه خير الناس" بعد ما سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:

    «يُؤتى بالرجل يوم القيامة، فيُلقَى في النار، فتندلق أقتاب بطنه؛ فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى! فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان ما لك؟! ألم تكن تأمر بالمعروف؟ وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه».

    أخرجه:

    البخاري في «صحيحه»: كتاب بدء الخلق: باب صفة النار وأنها مخلوقة، رقم (3267)، وفي كتاب الفتن: باب الفتن التي تموج موج البحر، رقم (7098).

    ومسلم في «صحيحه»: كتاب الزهد، باب عقوبة مَن يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله رقم (2989) -واللفظ له-.




    مفردات الحديث:

    ● (قيل له): أي لأسامة بن زيد؛ لأنه كان مِن خَاصَّة عثمان، ومِمَّن يخف عليه. قالَه المهلَّب[1].

    ● (ألا تدخل على عثمان فتكلِّمه): وفي رواية لمسلم[2]: «ما يمنعك أن تدخل على عثمان فتكلِّمَه فيما يصنع»، أي في بعض الأمور التي أنكرها عليه المنكِرون[3].

    ● (أَتُرَون): بضم التاء، بمعنى أتظنون؟ ويجوز أن تكون بفتح التاء - مِن رَأى رَأيًا-[4].

    ● (أني لا أكلمه إلا أسمعكم): يعني: هل تظنون أني أخبركم بكل ما أكلِّم به عثمان؟! أو هل تظنون أني لا أكلمه إلا بمحضر منكم ومسمع؟! والاستفهام: للنفي، يعني ليس الأمر كذلك، وإنما أكلمه في الخلوة وقد فَعلتُ[5].

    ● (ما دون أن أفتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من فتحه): «يعني في المجاهرة بالنكير والقيام بذلك على الأمراء، وما يُخشَى مِن سوء عقباه؛ كما تَولَّد مِن إنكارهم جهارًا على عثمان بعد هذا، وما أَدَّى إلى سفك دمه، واضطراب الأمور بعده» قاله القاضي عياض[6].

    ● (ولا أقول لأحد يكون علَيَّ أميرًا: "إنه خير الناس"): ثم قال أسامة أيضًا (ولا أقول) أنا (لأحد) من الناس، (يكون عليَّ أميرًا) أي كان عليَّ أميرًا. وجملة الكون صفة لـ"أحد": (إنه خير الناس) وأفضلهم.

    ● (بعد ما سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول...): يريد أُسامةُ -رضَي الله عنه- أن يُعرِّفِهم «أنه لا يُداهن أميرًا أبدًا، بل ينصح له في السِّر جُهده، بعدما سَمِع النبي يقول في الرجل الذي كان في النار كالحمار يدور برحاه مِن أجل أنه كان يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن الشر ويفعله؛ يُعَرِّفهم أن هذا الحديث جَعلَه ألا يداهن أحدًا؛ يَتبرَّا إليهم مما ظَنُّوا به مِن سكوتِه عن عثمان» قالَه المهلَّب[7].

    ● (يُؤتى بالرجل): وفي رواية لأحمد[8]-: «يُؤتَى بالرجل الذي كان يُطاع في معاصي

    الله؛ فيُقذف في النار».

    ● (فتندلق): قال أبو عُبيد: «الاندلاق: خروج الشيء مِن مكانه. وكُلُّ شَيءٍ نَدَر خارجا فقد اندلق. ومنه قيل للسيف: "قد اندلق مِن جفنه" إذا شَقَّه حتى يخرج منه. ويقال للخَيل: "قد اندلقت" إذا خرجَت فأسرعَت السير»[9].

    ● (أقتاب بطنه) قال الأصمعي وغيره: «الأقتاب: الأمعاء... واحدها قُتبَة، وبها سُمِّيَ الرجل "قُتيبة" وهو تصغيرها»، وقال أبو عبيدة: «القِتب: ما تَحَوَّىٰ مِن البطن -يعني استدار- وهي الحوايا، قال: وأما الأمعاء: فإنها الأقصاب، واحدها قُصْب»[10].

    ● (فيدور بها): أي يتجوَّل ويطوف بها في النار.

    ● (كما يدور الحمار بالرحى): أي الطاحونة التي يُطحَن بها.




    فقه الحديث:

    العلم حياة النفوس، وغذاء القلوب، ونور العقول والأبصار، ولكن ما أتعس الإنسان وما أشقاه حين يصبح العلم وبالًا عليه، ويكون سببًا لهلاكه ودماره؟

    فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يخبر عن ذلك العالم الذي أعطاه الله العلم، ورزقه الفهم والإدراك، فكان يعلم الناس ويرشدهم، ويعظهم ويذكرهم، ويأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر، ولكنه ما كان يفعل الخير ولا يجتنب السوء والشر، فكان فعله غير قوله، ومظهره غير مخبره، ولذلك لم ينفعه علمه، بل كان سببًا لدخوله جهنم. أفليس عجيبًا أن يكون العلم وبالًا على الإنسانية؟!

    وحقًا إنها لصورة رهيبة تقشعر لها الأبدان، وترتعد لها الفرائص، صورة ذلك الرجل وقد اندلقت أمعاؤه من بطنه، فأصبح يدور بها كما يدور الحمار بالرحى، وأين ذلك يكون؟! إنه في جهنم المتأججة بنيرانها المتلهِّبة بسعيرها، والناس قد اجتمعوا عليه يسألونه مستغربين عن سبب هذا العذاب؟ وعن سبب ذلك المصير المشؤوم؟! يقولون له: ألست أنت فلان الذي كنت تأمرنا في الدنيا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟!

    فيقول: نعم أنا فلان الذي كنت آمركم بالخير، ولكنني لا أفعله، وأنهاكم عن الشر وأفعله.

    حقًا إنها النهاية الأليمة المفجعة التي تذيب القلب، وتلذع الفؤاد، فليس أوجع على النفس، ولا أنكى على القلب مِن أن يضل الإنسان ويَشقَى بسبب العلم، وفي أمثال هؤلاء يقول القرآن الكريم: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾[11].

    فالعلم الذي هو سبب السعادة، والمنارُ الهادي في سبيل الحياة إذا لم ترافقه تقوى الله سبحانه، كان سببًا للشقاء والهلاك، وكان حجة على صاحبه ووبالًا عليه يوم القيامة، ولله دَرُّ القائل:

    لو كان في العلم من دون التقى شرف لكان أشرف خلق الله إبليس

    اللهم احفظنا مِن السوء، واجعل عِلْمَنا حجة لنا لا علينا، إنك سميع مجيب الدعاء.




    مسائل الحديث:

    المسألة الأولى: النصيحة لأَئِمَّة المسلمين.

    قال القاضي عِياض[12]: «وفيه التلطُّف مع الأمراء، وعَرض ما يُنكَر عليهم سِرًّا -

    وذلك يلزم مع غيرهم مِن المسلمين ما أمكن ذلك-؛ فإنه أولى بالقبول، وأجدر بالنفع، وأبعد لهتك السِّتر وتحريك الأَنَفَة» اهـ.

    ومَا فَعله أسامة بن زيد -رضي الله عنه- في هذه القِصّة: هو ما دَلَّت عليه السُّنَّة الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعن صحابتِه الكرام -رضي الله عنهم-:

    فعَن عياض بن غَنْم -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن أراد أن يَنصح لسلطان بأمر؛ فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به؛ فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أَدَّى الذي عليه له»[13].

    وعن زياد بن كسيب العدوي، قال: كنت مع أبي بكرة -رضي الله عنه- تحت منبر ابن عامر وهو يخطب وعليه ثياب رِقاق، فقال أبو بلال: انظروا إلى أميرِنا يلبس ثياب الفُسَّاق[14]، فقال أبو بكرة -رضي الله عنه-: «اسكُت، سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَن أهان سلطان الله في الأرض أهانَه الله"»[15].

    وعن سعد بن أبي وقَّاص -رضي الله عنه- قال: «أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فيهم، قال: فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم رجلا لم يعطه وهو أعجبهم إلي، فقُمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساررته، فقلت: ما لك عن فلان...» الحديث[16]. قال العلَّامة النووي[17]: «فيه التأدُّب مع الكبار، وأنهم يُسارُّون بما

    كان من باب التذكير لهم والتنبيه ونحوه، ولا يُجاهَرون به؛ فقد يكون في المجاهرة به مفسدة».

    عن السائب بن يزيد، أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: لا أخاف في الله لومة لائم خير لي؟ أم أقبل على نفسي؟ فقال: «أما مَن ولِي مِن أمر المسلمين شيئا؛ فلا يَخفْ في الله لومة لائم، ومَن كان خلوًا؛ فلْيُقبِل على نفسه، ولْينصحْ لوليِّ أمرِه»[18].

    ورُوي عن عُمَر -رضي الله عنه- أنه قال: «أيتها الرعية، إنَّ لنا عليكم حقًا: النصيحةُ بالغيب، والمعاونة على الخير...»[19].

    وعن سعيد بن جبير قال: قلتُ لابن عباس: آمُر إمامي بالمعروف؟ قال: «إن خشيت أن يقتلك؛ فلا. فإن كنت ولابُدَّ فاعلًا؛ ففيما بينك وبينه، ولا تَغتَبْ إمامك»[20].

    وقال سعيد بنُ جُمْهان لعبدالله بن أبي أَوفَى -رضي الله عنه-: إن السلطان يَظلِمُ الناس، ويفعل بهم! قال: فتناول يدى فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال: «ويحك -يا ابن جُمهان-! عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم. إن كان السلطان يسمع منك فائته في بيته فأخبِره بما تعلم، فإن قبل منك؛ وإلا فدعه؛ فإنك لست بأعلم منه»[21].

    وعن خيثمة بن عبدالرحمن، قال: قال عبدالله بن مسعود[22] -رضي الله عنه-: «إذا

    أتيتَ الأميرَ المؤمَّر[23]؛ فلا تأته على رُؤوس الناس».

    وعن هلال بن أَبي حميد قال: سَمعتُ عبدالله بن عُكيم يقول: «لا أُعين على دم خليفةٍ أَبدًا بعد عثمان. قال: فيقال له: يا أبا معبد، أو أعنت على دمه؟ فقال: إني لأعد ذكر مساويه عَونًا على دمه»[24].

    وقال العلَّامة الشوكاني[25]: «ينبغي لمن ظهر له غَلَطُ الإمام في بعض المسائل: أن

    يناصحه، ولا يُظهِر الشناعةَ عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث: أنه يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة، ولا يُذِلَّ سُلطَان الله» اهـ.

    وقال الإمام عبدالعزيز ابن باز[26] -رحمه الله-: «ليس من منهج السلف التشهير

    بعيوب الولاة، وذِكر ذلك على المنابر.

    لأن ذلك يُفضِي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويُفضي إلى الخوض الذي يَضُرُّ ولا ينفع.

    ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير.

    أما إنكار المنكر -بدون ذكر الفاعل، فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا، من دون ذكر مَن فعله-: فذلك واجب؛ لعموم الأدلة.

    ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها مِن غير أن يَذكر مَن فعلها -لا حاكما ولا غير حاكم-....

    ولما فتح الخوارج الجُهَّال باب الشر في زمان عثمان -رضي الله عنه- وأنكروا على عثمان عَلنًا؛ عظمت الفتنة والقتال والفساد، الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقُتِل عثمان وعلي -رضي الله عنهما- بأسباب ذلك، وقُتِل جمع كثير من الصحابة وغيرِهم بأسباب الإنكار العلني، وذكر العيوب علنا، حتى أبغض الكثيرون من الناس ولي أمرهم وقتلوه...» اهـ المراد من كلامه رحمه الله.

    ونختم بنقل نفيس عن العلَّامة المجاهد ابنِ النحاس الدمياطي (ت 814) في كتابه «تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين»[27] حيث قال:

    «تنبيه: الداخلُ على الأمراء والسلطان؛ لقصد الإنكار والموعظة: يجب أن يكون قصدُه في ذلك خالصًا لله تعالى.

    فإنَّه قد يُقدم على هذا وإنما قصده أن يكون كلامه سببًا لتعَرُّفه بالسلطان وطلب المنزلة عنده.

    أو يكون قصده طلب المحمدة مِن الناس وإطلاق ألسنتهم بالثناء عليه، والشكر لصنيعه، وتعمير قلوبهم بتوقيره عندهم وتعظيمه، وأن يقال عنه: "إنه أغلظ للسلطان وأقدم عليه بالكلام ولم يُبال"، فيصير معظمًا عند الناس، ويخشاه أبناء جنسه.. إلى غير ذلك من المقاصد التي لا تنحصر؛ لتنوع الأغراض.

    وهذه مزَلَّة عظيمة، يجب التفطُّن لها والتنبه عليها وتحقيق القصد قبل الوقوع فيها.

    وإلا فربما ناله مكروه في الدنيا؛ وهو فيه غير مأجور، بل آثم مأزور.

    وربما أفضى ذلك إلى قتله؛ فقُتِل عاصيًا؛ وهو يَظن أنه أفضل الشهداء، وإنما يُبعَث الناس يوم القيامة على نِيَّاتهم...».

    ثم قال[28]: «فإن قلتَ: فأي شيءٍ يُميِّز النية المصالحة الصالحة، مِن المشوبة الفاسدة؟

    ما العلامة في ذلك والمعيار في صحته؟

    قلتُ: محكُّ الاعتبار في ذلك:

    أن يَرى المنكِرُ نفسَه كالمكرَه على هذا الفعل، كالمتكلِّف له والمتجشِّمِ المشقة فيه، ويَودُّ أنْ لو تصدَّى لهذا الفعل غيرُه وكفاه الله به.

    ويُحِبُّ أن لا يَعلم به أحد مِن الناس؛ اكتفاءً بعلم الله تعالى واطِّلاعه عليه.

    ويختار الكلام مع السلطان في الخلوة: على الكلام معه على رؤوس الأشهاد، بل يودُّ لو كَلَّمَه سِرًّا ونَصحَه خِفيةً مِن غير ثالث لهما.

    ويَكره أن يُقال عنه -أو يَحكِي- ما اتَّفقَ له وأن يشتهر بذلك بين العامة.

    بل لو أَثَّر كلامُه، وغُيِّر المنكَرُ بقوله، ثم اشتهر عند الناس نسبةُ ذلك إلى غيره؛ لما شَقَّ عليه ذلك؛ إذ في علم الله بحقيقة الحال كفاية، وهو الْمُجازي كُلَّ أحد بعمله.

    ويكون قصدُه زوال المنكر على أي وجه كان؛ ولو حصل له مع زواله ازدراءٌ وسَبٌّ وتغليظُ كلامٍ وذَمٌّ بين الناس أو إعراضٌ وهجرٌ ممن عادته المودة له والإقبال عليه.. وغير ذلك مِن الأحوال التي تكرهها النفوس وتنفر منها الطباع.

    وإن كان في إنكاره تَعرُّضٌ للقتل؛ فتراه يُفرِّق بين أن يُقتل سِرًّا أو في ملأ بين الناس؛ إذْ كان قصدُه وجهَ الله تعالى -لا أن يُذكَر بذلك-.

    فهذه كلها مِن علامات الإخلاص وحُسن القصد وابتغاء وجه الله تعالى والدار الآخرة.

    • وأمَّا غير المخلص: فبِضِدِّ ذلك كله:

    فيرى عند نفسِه نشاطًا إلى هذا الفعل، وإقبالا عليه وسرورًا به.

    مُحِبٌ أن يكون جهرًا في ملأٍ مِن الناس -لا سِرًّا-.

    ويُحب أن يُحكَى عنه ذلك، وأن يشتهر به، وأن يُحمَد عليه.

    حتى لو نُسب زوال المنكر إلى غيره؛ لقامت قيامتُه!

    بل تراه يَقضي عُمره وهو يَحكِي ما اتَّفق له، وما قال وما قيل له؛ متبجَّحًا بذلك بين أقرانه وأبناء جنسه! وربما زاد في القصة ونقص.

    ولو سَبقه غيرُه إلى ما كانَ هُوَ عزمَ عليه مِن ذلك، ورجع السلطان إلى قولِه؛ لثقل عليه ذلك -أو شَقَّ عليه-، وكان عنده بمنزلة الذبح. وربما يقول لمن يَطَّلِع على نِيَّته: "كنتُ عزمتُ على أن أَدخل على السلطان فأقول له كذا وكذا، ولكن سبقني فلان! ولكنه لم يتكلم كما ينبغي! ولو دخلتُ لقُلتُ كذا ولفعلتُ كذا..".

    وأيضًا فتراه يُحِب إقبال السلطان عليه، وتعظيمه له، ولو لم يأتمر بما أمره ولم ينتهِ عمَّا نهاه؛ ليخرج مِن عنده قائم الجاه مسرور القلب معظَّمًا عند الرعيَّة.

    ويشق عليه إعراضُ السلطان عنه وحَطُّ منزلته عنده وعدم انصرافه في الكلام له، وذم الناس له على ما فعل؛ ولو دُفِع وزَال المنكَرُ..

    فهذه كلها علامات تدل على سوء القصد وفساد النية وعدم الإخلاص؛ فتُحبِط الأجر وتُوجِب المقت مِن الله والإعراضَ يوم الجزاء، وترُدُّ صاحبَها بالهوان والخسران يوم تشتد الحاجة إلى النقير والقطمير؛ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ • وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾»[29]. اهـ.

    وذكر[30] قِصَّةَ إنكار شيخٍ على أحدِ الأمراء؛ فناظره في ذلك بقصره، فأفحمه الشيخُ، ثم خرج.

    فأعطى الأميرُ رَجُلًا بدرةً (عشرةَ آلاف دِرهم)، وقال له: اتبع الشيخ: فإنْ رأيتَه يقول: «قلت لأمير المؤمنين، وقال لي»؛ فلا تعطِه شيئًا، وائتني به. فإن رأيته لا يكلم أحدًا؛ فأعطِه البدرة.

    فخرج مِن القصر ولم يلوِ على شيء. فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: خذ هذه البدرة. فلم يقبلها الشيخ.

    وبِغضِّ النظر عمَّا جاء في القِصَّة وثبوتها؛ إلا أن الذي يهمنا تعليق ابن النحاس عليها؛ حيث قال[31]:

    «فانظر -رحمك الله- كيف حفظه الله مِن سطوتهم، ورَدَّ عنه كيدَهم؛ ببركة الإخلاص والتقوى.

    ولو اتَّفق هذا لغيره من الحمقى؛ لخرج يقول: "اتفق لي مع أمير المؤمنين كذا، وقلتُ لأمير المؤمنين كذا، وقال لي أمير المؤمنين كذا.."؛ يتبجّح به، ولا يَقنع بعلم الله تعالى واطلاعه؛ فلْيَتنبَّهِ المتنبِّهُ لمثل هذا؛ فإنه دليل على ما في القلب من الداء الدَّفين مِن الرياء وطلب الجاه والمنزِلة» اهـ كلامه -رحمه الله-(•).



    المسألة الثانية: في الفرق بين المداهنة المذمومة والمدارة المحمودة.

    قال القاضي عياض[32]: «الحديث حُجَّة كُلُّه على ذم المداهنةِ في الحق والمواجهةِ بما

    يُبطِن خلافَه، والملَق بالباطل. وهذا هو المذموم.

    والحال الأولى: هي المداراة المحمودة؛ لأنه ليس فيها قدح في الدين ولا حَطٌّ منه، إنما هي ملاطفة في الكلام، أو هي مجاملة بأسباب الدنيا ومعاطاة بها لصلاح دين أو دنيا.

    والمداهنة: إنما هي إعطاء بالدِّين، ومصانعة بالكذبِ والتزيينِ للقبيح، وتصويبٌ بالباطل؛ للوصول إلى أسباب الدنيا وصلاحها».



    المسألة الثالثة: هل لا بد من الآمر والناهي أن يكون على أعلى درجات الكمال؟

    ذكر العلماء أنه لا يلزم من الآمر والناهي أن يكون على درجة الكمال حتى يقوم بهذا الأمر، وإنما يمتثل بالأمر على قدر استطاعته؛ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[33]، وهذه أقوالهم

    في ذلك.

    ففي «شرح النووي»[34]: «قال العلماء: ولا يُشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل

    الحال، ممتثلا ما يأمر به مجتنبا ما يَنهَى عنه.

    بل عليه الأمرُ -وإن كان مخلا بما يأمر به-، والنهيُ -وإن كان متلبسا بما ينهى عنه-؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه.

    فإذا أخل بأحدهما؛ كيف يباح له الإخلال بالآخر؟!».

    وفي «فتح الباري»[35] عن بعض أهل العلم: «يجب الأمر بالمعروف، لمن قَدِر عليه، ولم

    يَخَفْ على نفسه منه ضررا، ولو كان الآمر متلبسا بالمعصية.

    لأنه في الجملة يُؤجر على الأمر بالمعروف، ولا سيما إن كان مُطاعًا. وأما إثمه الخاص به فقد يغفره الله له وقد يؤاخذه به.

    وأما مَن قال: "لا يأمر بالمعروف إلا مَن ليست فيه وصمة"؛ فإن أراد: أنه الأولى؛ فجيِّد. وإلا فيستلزم سَدَّ بابَ الأمرِ، إذا لم يكن هناك غيره».




    ما يُستفاد من هذا الحديث:

    1 - الأدب مع الأمراء واللطف بهم ووعظهم سرًا، وتبليغهم شكاوى الناس؛ لحلِّها، بلطف وحسن تأدية.

    2 - فيه وصف جهنم بأمر عظيم، وهو من المغيبات التي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- ووصف المعذبين فيها.

    3 - بيان عقوبة مَن يخالف قوله فعله، لعصيانه مع العلم -المقتضي للخشية والمباعدة عن المخالفة-.

    4 - فعل المعروف وترك المنكر: يمنعان مِن دخول النار.

    5 - الناس يوم القيامة يَعرف بعضهم بعضًا، ويُصارِح بعضُهم بَعضًا بعد كشف الستر وظهور الغيب -نسأل الله أن يستر عيوبنا ويغفر ذنوبنا-.

    6 - ينبغي على الداعي لله أن يطابق قولُه فعلَه، وأن يدعو بفعلِه قبل أن يدعو بقوله؛ لأن ذلك أدعى لقبول دعوته وتصديق كلامه، وأن يتأسى بنبي الله شعيب -عليه السلام- حينما قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾[36].

    * * *


    [1] نقله عنه: ابن بَطال في «شرح البخاري» 10/ 49، وابنُ حَجر في «الفتح» 12/ 52.

    [2] وهي الرواية التالية لرواية حديث الباب.

    [3] فتح الباري لابن حجر 13/ 52، وتكملة فتح الملهم لمحمد تقي العثماني 6/ 374 ط إحياء التراث.

    [4] تكملة فتح الملهم 6/ 374.

    [5] تكملة فتح الملهم 6/ 374-375.

    [6] في إكمال المعلم بفوائد مسلم 8/ 538.

    [7] نقله عنه: ابن بَطال في «شرح البخاري» 10/ 49، وابنُ حَجر في «الفتح» 12/ 52.

    [8] في المسند 5/ 206.

    [9] غريب الحديث لأبي عُبيد 2/ 31، وعنه عياض في إكمال المعلم 8/ 539.

    [10] غريب الحديث لأبي عُبيد 2/ 30-31، وعنه عياض في إكمال المعلم 8/ 538-539.

    [11] سورة الجاثية، الآية 23.

    [12] في إكمال المعلم بفوائد مسلم 8/ 538، وعنه النووي في شرح مسلم 18/ 118.

    [13] أخرجه أبو عُبيد في «الأموال» (113)، وأحمد في «مسنده» 3/ 403 -واللفظ له- [ومن طريقه ابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» 47/ 265]، والبخاري في «التاريخ الكبير» 7/ 18-19 بصيغة التعليق [ومِن طريقه البيهقي في «السنن الكبير» 8/ 164 بصيغة السماع]، وأخرجه وابنُ أبي عاصِم في «السنة» (1096) و(1097) و(1098) و«الآحاد والمثاني» (876)، والطبراني في «الكبير» 17/ 367 (1007) و«مسند الشاميين» (977) و(1874)، والحاكم في «المستدرَك» 3/ 290 [ومِن طريقه البيهقي في «السنن الكبير» 8/ 164]، وأبو نُعيم في «معرفة الصحابة» (5425)، وابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» 47/ 265 و266.

    قال الحاكم -عَقِبه-: «صحيح الإسناد». وقال ابنُ عساكِر 47/ 266: «ورواه ضمضم بن زرعة فزاد في إسناده: جبير بن نفير... وهو محفوظ من حديث جبير». وقال الهيثمي في «مَجمَع الزوائد» 5/ 230 -عن طريق جُبير بن نفير-: «رجاله ثقات وإسناده متصل». وقال الشيخ الألباني في «ظِلال الجنة» 2/ 523 -عن الحديث-: «صحيح بمجموع طرقه».

    [14] قال ابن عساكر في «تاريخه» 29/ 255: «أبو بلال: مِرداس بن أُديَّة، مِن رؤوس الخوارج»، وزاد الذهبي في «السِّيَر» 14/ 508: «ومِن جهله: عَدَّ ثياب الرجال الرقاق: لباسَ الفساق».

    [15] أخرجه أبو داود الطيالسي كما في «مسنده» (928) [ومِن طريقه الترمذي في «جامعه» (2224) -واللفظ له-، والبزَّار في «مسنده» (3670)، وابن عساكر في «تاريخه» 29/ 254، 255 من طُرُق]، والبيهقي في «السنن الكبير» 8/ 163 [ومِن طريقه ابن عساكر في «تاريخه» 29/ 255]... وأخرجَ غيرُهم المرفوع منه فقط بدون القِصَّة. قال الترمذي: «حديث حسن غريب»، وحَسَّنه الألباني في «صحيح الترمذي» (2224).

    [16] أخرجه البخاري (1478)، ومسلم (150) (131).

    [17] في «شرح مسلم» 7/ 149.

    [18] أخرجه أبو يوسف في «الخراج» (ص 14 سلفية)، وعبدالرزاق في «جامِع مَعْمَر بن راشد» (20693) -واللفظ له-، وسعيد بن منصور في كتاب التفسير من «سننه» (847) من طريق مَعْمَر، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7155 سلفية) من طريق عبدالرزاق. ورُوي من وجه آخر عند ابن سعد في «الطبقات الكبير» (ص 163 القسم المتمم لتابعي أهل المدينة)، وابنِ شبَّة في «تاريخ المدينة» 2/ 772. وحَسَّنه محقِّق «سنن سعيد بن منصور».

    [19] أخرجه أبو يوسف في «الخراج» ص13، وهناد في «الزهد» (1281)، وابنُ شَبَّة في «تاريخ المدينة» 2/ 774، والطبري في «تاريخه» 4/ 224، جميعًا من طرق بعضُها صحيح، لكنها مرسلة إلى عمر -رضي الله عنه-.

    [20] أخرجه سعيد بن منصور في كتاب التفسير من «سننه» (846) -واللفظ له-، وابن أبي شيبة في «المصنَّف» 15/ 74، وابن أبي الدنيا في «الأمر بالمعروف..» (76)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (7186 سلفية) من طريق سعيد. وحَسَّنه محقِّق «سنن سعيد بن منصور».

    [21] أخرجه أحمد في «المسند» 4/ 282-383، وأبو يَعلى -كما في «إتحاف الخِيرَة» للبوصيري 4/ 216- [ومن طريقه الضياء في «المختارة» 13/ 111]، والحكيم في «النوادر» (247)، والنخشبي في «الحنائيات» (214). وصَحَّحه الضياء. وقال الهيثمي في «المجمَع» 5/ 230: «رجال أحمد ثقات». وحَسَّن إسناده الشيخُ الألباني في «ظِلال الجنة» 2/ 523.

    [22] أخرجه سعيد بن منصور في كتاب التفسير من «سننه» (850)، وابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» 15/ 75. وأفاد محقق «سنن سعيد»: أن خيثمة لم يَسمع من ابن مسعود.

    [23] وفي «المصنَّف»: «المؤمِن».

    [24] في «السيل الجرَّار» (4/ 527 ط زايد).

    [25] أخرجه ابنُ سعد في «الطبقات» 3/ 80 و6/ 115، والبخاري في «التاريخ الكبير» 1/ 31-32،والبلاذري في «أنساب الأشراف» والدولابي في «الكنى» (476)، والخطيب في «المتفق والمفترق» (1465).

    [26] كما في «مجموع فتاواه» (8/ 210-211 جمع الشويعر).

    [27] ص74 ت المكتب السلفي.

    [28] ص75-76.

    [29] سورة الزلزلة: 7-8.

    [30] (ص64-66) ملخصًّا.

    [31] ص66.

    (•) ويُنظَر لمزيد الفائدة: كتاب «معاملة الحُكَّام في ضوء الكتاب والسنة» للشيخ عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم -رحمه الله-، وقد استفدنا منه في هذا المبحث، مع فوائد أخرى.

    [32] إكمال المعلم بفوائد مسلم 8/ 538.

    [33] التغابن: 16.

    [34] على «صحيح مسلم» 2/ 23.

    [35] لابن حجر 13/ 53.

    [36] سورة هود، الآية 88.


    المصدر أضغط هنا

    رد: عقوبة الذي يأمر بالمعروف ولا يأتيه ، يُؤتى بالرجل يوم القيامة، فيُلقَى في النار ........فيقولون: يا فلان ما لك؟! ألم تكن تأمر بالمعروف؟ وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى؛ قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه».

    مُساهمة من طرف فريق العمل بجناب الهضب في الجمعة 8 نوفمبر 2013 - 2:55

    08.11.2013

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت 10 ديسمبر 2016 - 4:17